مِصحّة الصحافة العربية

كتبهاد.خالص جلبي ، في 30 أكتوبر 2009 الساعة: 21:23 م

مِصحّة الصحافة العربية

 

في يوم 20 أكتوبر 2009 احتفلت جريدة "الاتحاد" ببلوغها سن النضج: أي سن الأربعين، لكن ماذا عن بقية الصحافة العربية، هل بلغت سن النضج والرشد، أم مازالت في سن الطفولة والمراهقة؟

إن ما يَحكُمُ على الأشياء، ليس طول العمر، وكثرة المجتمعين، وعظمة الإنفاق، فطول العمر يفضي إلى قسوة القلوب، وليس من مفرق بين القلوب مثل المال. ولا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك "كثرة" الخبيث.

 

 

يقول الدكتور صادق النيهوم عن الصحافة العربية؛ إن أي مجلة عربية لا تختلف من الخارج عن "دير شبيجل" الألمانية، كما لا تختلف أي جريدة عربية، من الخارج أيضاً، عن "لوفيجارو" الفرنسية… ففي كل منها تجد المقالة الافتتاحية والتعليق السياسي والخبر والكاريكاتير وحل الكلمات المتقاطعة وحالة المناخ وتوقيت الصلاة وصفحة الوفيات.. إلخ. فالصحافة العربية تتشابه مع الصحافة الغربية كشبه البيضة بالبيضة، والفرق بين البيضتين أن بيضة الصحافة العربية مسلوقة، بينما يخرج من بيضة الصحافة الغربية ديك شجاع يصيح على السياج مبشراً بنور الفجر!

 

ومعظم الذين يكتبون في الصحافة العربية محاصرون ثلاث مرات؛ من الرقيب، والممول، وأسوار العالم العربي نفسه، مما لا ينجح معه كاتب في اجتياز 24 بوابة عربية محصنة ضد الفكر والتفكير!

وأنا شخصياً لم أكتب مقالة رأي إلا كتابة مودع، ولم أفكر قط أن أعيش مرتزقاً من الصحافة، طالما ظلت في يد ممول أياً كان؛ فرداً أم حكومةً. ومن ظن أنه يمكنه العيش من عائد الكتابة في العالم العربي فعليه أن يتسول على أبواب المساجد. وما أتاني من نشر ثلاثين كتاباً لي حتى الآن، لا يجعلني أعيش من رزقها ثلاثة أشهر، فأنا رجل جعلت من شاطئ الطب مرساة الأمان.

وكثيراً ما نُصرَفُ من جريدة أو منبر لكلمة أو سطر كتبناه، لذلك نكتب مثل المرور على ألغام الدبابات… وقد حدث معي في عدة صحف ما يمكن أن يمثل شهادة صاعقة على مصير الكُتاب في العالم العربي بأوضاعه الماثلة.

ومهمة الصحافة في العالم العربي اليوم، أقصد غالبيتها على الأقل، هي نفش السلطة ومديحها دون حدود، بما يقول إن صحافتنا تعيش خارج إحداثيات الزمان والمكان.

والكلمة مسؤولية خطيرة مثل خنادق الموت وحقول الألغام، لذا فالكاتب "العاقل" في عالمنا العربي يكتب كلاماً لا يوقظ نائماً ولا يزعج مستيقظاً، ولا يلفت مراقباً، ولا يحرك ضابطاً!

والصحافة في النهاية تعبير عن المرحلة الحضارية التي تمر بها الأمة، فإن كانت مرحلة انحطاط مثّلتها، وإن كانت في صعود صعدت معها صعوداً.

وفي النهاية يظن الكثيرون أن مشكلة الحرية في الصحافة هي أم المسائل، لكن لو حدث أن سمحت الحكومات العربية بحرية التظاهر مثلا، لتحطمت البنية التحتية، واحترقت المحلات العامة والمتاحف والمكتبات والبنوك وصالات المسارح ومحطات البنزين… لذا، فوضع العالم العربي، شاهد على الحالة العقلية للمواطن العربي، الذي يعيش حالة من التيه والخوف والفوضى والوثنية؛ فهو يقدس الأصنام الحية والميتة.

إننا في مصحة عقلية كبرى، وصحافتنا لا يمكن أن تكون خارج هذه المصحة، أليس كذلك

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر