فضائل الحمار
بقلم خالص جلبي
الحمار حيوان وديع جميل، بآذان طويلة، وظهر جاهز للركوب، غير مزعج البتة، صبور بدون ملل، يخدم بدون رفس وزعل! درويش طيب مريح، ركبه المسيح مع غصن الزيتون، داخلا القدس حاملا رسالة السلام.
وهو ما جعلني أيضاً أن أضع هدية صديقي إدريس الأحفيري تمثال حمار مع صاحبة على الطاولة أمامي.
وملهم (دون كيخوته) لم يكن راكبا حصانا مثل صاحبه الفارس، بل على بردعة حمار، وكان أكثر حكمة من مصارعة الطواحين، كما ذكر ذلك الكاتب الإسباني سرفنتس من القرن السادس عشر..
وكان دابة جحا المفضلة يذيع منها أخباره السياسية على طريقة النكتة، فيقول كلاما لا يعنيه، أو يعني ما لا يقول؟ ..
وكان الدكتور رزق أستاذ القلبية عندما يرسنا يقول هل تعلمون الفرق بين الحمار والتيس؟ ثم يتابع الحمار لا يكرر أخطاءه أما التيس فيقع في الحفرة التي وقع فيها من قبل؟ فهذا ما استفدت من رزق، ولم يلحقنا من مادة القلبية رزق؟
كثير ما أسمع من السائقين، وهم يشتمون بعضهم بدون مواجهة، إذا خالف أحدهم أو هجم أو اقتحم، أن ينعت الآخر أنه حمار؟ أما هو فملاك؟
وأحيانا يحدث أن يأتي مريض، يشكو من علة تناوب عليها أطباء شتى بدون فائدة؛ فإذا رأى أحدهم وصفة زميله قال إنه حمار..
وهكذا فالحمار أصبح مسبة، والقرآن يقول أن البشر أسوأ من الحمير بمقدار؟!
إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا؟!!
وهنا يتفوق الحمار الظريف كما نرى على ابن آدم.
ويقولون أن التكرار يعلم الحمار، ولكن كم يعيد الإنسان خطأه بدون أن يتعلم، فيسبق التيس في البهمنة، والحمار في البلادة.
وعبد الناصر عندما كرر كارثة اليمن في سيناء بألف ضعف، خرجت الجماهير لعبادته ساجدين؟ فهل هناك أتيس من شعوب بهذه البلادة؟
في الواقع إن مثل الحمار رائع لتعامل البشر ومستواهم، وأنا أتبع طريقة سقراط؛ فأفكك الكثير من التعابير والمصطلحات والمسلمات، التي اتفق عليها البشر أنها مسلمات، فتخرج أنها ليست مسلمات، ومنها الحمار المسكين!!
صحيح أن القرآن اعتبر أن نهيقه مزعج، لأنه يرفع صوته، ولكنه بنفس الوقت تحدث في سورة كاملة أخذت اسم (الحجرات) عن النداء المرتفع، الذي لا يليق من وراء الحجرات والجدران (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثره لايعقلون؟!)، ووجه الأنظار أنه لو صبروا حتى يخرج لهم الرسول لكان أليق....
وأعرف أنا من سهل الزبداني أن البشر إذا تحدثوا (عووا) مثل الذئاب ليسمع بعضهم بعضا.
وفي باب الفرج في حلب، أو حراجات السيارات عندنا، ينهقون بأشد من الحمير، وحاشا الحمير؛ فوجب الدفاع عن هذا الحيوان الوديع الطيب، الصبور المتحمل للمكاره، بدون شكوى ودموع وتقرير سري..
إن مقدار تحمل هذا الحيوان جعل بعض الصحابة يأخذ اسمه كما في (زينب بنت جحش) زوج النبي ص، وكذلك الخليفة المرواني الأخير من بني أمية، وكان من أجلدهم وأشدهم صبرا؛ فأخذ اسم (مروان الحمار)، وهي ليس سبة بل مكرمة وحمد لهذا الرجل، الذي جاء في الوقت الغلط، في مواجهة الإيرانيين الخراسانيين الدهاة المنظمين بقيادة رجل داهية إيراني يشبه المغنية، الذي قتله الرفاق في دمشق، كما قتل صاحبه الخراساني أبو مسلم من قبل بيد السفاح العباسي، فكل الكل من نفس الملة الدموية.
وذكرت لي ابنتي من كورسات العلوم السياسية، أن رئيسا عربيا من الطغاة الذين غيبهم التراب، كان لا يدخل عليه من الجنرالات ثلاثة؟ لأنه انقلابي دموي، وصل للحكم على ظهر دبابة، فلربما فعلوا كما فعل فـ (يكّتفوه) ويجلسوا محله، كما كان يفعل المماليك..
وحين خطط الخليفة العباسي لقتل الخراساني، أدخله بدون خنجره إلى المجلس، فبدأ في ذكر انتصاراته، في خدمة الدولة، فما كان من الخليفة إلا أن صفق إعجابا بكلماته، وكانت إيعازا للزبانية في الإجهاز عليه ذبحا؟ صرخ الإيراني يا خليفة المؤمنين أنا يدك لعدوك؟ قال الخليفة وهل من عدو ألعن منك؟ ثم ذبحوه كما ذبح الرفاق (المغنية) مع أغنية وعزف النشيد الوطني، في عاصمة الأمويين بيدهم، أو تحت أبصارهم بيد قوم آخرين!! والنتيجة واحدة فليس من فرق كبير..
وتعجبني قصة اجتمعت بها من كتاب (القوة) لـ (روبرت جرين) عن فضائل هذا المخلوق الحبوب الحمار؟
ففي يوم ضربت المجاعة الغابة؛ فوقفت الحيوانات جميعا تبحث عن السبب؟ فجاء ثعلب أحمر فقال لقد أذنبتم فاعترفوا !!
قام الأسد فقال أيها الرفاق: في الحقيقة كنت أتمتع بأكل لحم الخرفان وأحيانا الرعاة معهم وكأنها فطيرة محشوة بالزبيبة والجوز؟ فعلتها ولم يسيئوا لي بشيء؟
صرخ ذئب من جانب: حاشا يا ملك الغابة بل إنهم أنجاس يستحقون أن تأكلهم بدون تردد، إن حساسيتك لكبيرة مرهفة يا سيدي!!
همهمت الحيوانات نعم نعم .. إن سيدنا الأسد يستحق أن يأكل ما يشاء وليس عليه ذنب أو خطيئة؟
ثم تتابع النمر والدب والضبع والواوي والكل يقول ليس عليكم من حرج..
ثم جاء دور الحمار الحبوب الوديع فقال يا قوم؟؟
فنظر الجميع إليه بغضب ونرفزة، وقالوا بصوت واحد: تابع تابع أيها المجرم ماذا فعلت؟؟
التفت الحمار مذعورا من العيون المحمرة حوله من الرفاق والأعوان، وقال ـ بعد أن بلع ريقه الناشف ـ الحقيقة.. الحقيقة يا جماعة مررت بجنب حديقة؛ فأعجبني العشب، فقضمت بعرض فمي قبضة من العشب وكذلك سولت لي نفسي؟
صاح الذئب ووافقه الثعلب وتابع الجميع بصوت واحد عرفنا سبب المصيبة، فسحبوا الحمار إلى المشنقة، وهو ينهق بأعلى صوته مظلوم مظلوم؟؟
فهذه هي فضائل الحمار حتى في الشنق؟؟
كتبها د.خالص جلبي في 11:13 مساءً ::
استفدت منك يا دكتور أننا عندما يسيطر علينا اللا وعي فنسير مبرمجين نتبع أهواءنا وما يمليه علينا ذلك اللا وعي فإنه لافرق بيننا وبين الحمير عندئذ .
بيد أن المشكلة أن الوعي ـ التأمل والتدقيق الدقيق ـ لا يغطي إلا 5 % من تصرفاتنا والبقية في حكم اللا وعي المشؤوم وليس لنا من ذنب في تشكيل هذا اللاوعي .
فكيف نرتقي بوعينا واللا وعي لأجيالنا القادمة ... كبيرة إجابة تلك السؤال مع استعدادي لتحملها ولا أكون والحمار ـ وإن كان أليفًا وديعًا وشعارًا للديموقراطيين الأمريكيين ـ في قرن
الحقيقة أن على المرء أن يكون حماراً ليتحمل تحليلاتك السياسية، و تيساً ليقتنع بها.

