سياسة التعريب
بقلم خالص جلبي
العامل البنغالي ألمجير الذي يساعدني في أعمال البيت أحيانا يقول لي: أنا في كلام هو في معلوم؟ وأنا أكرر له الصحيح من النطق. يقول المدرشة وأنا أصوت بجرس مجلجل مدرسة!! هو يقول أنا في نايم وأنا أكرر له رح أنام بالعامية. وفي قناعتي لو علمناهم أي لهجة من مصرية وسعودية وسورية وبشكل صحيح أفضل من اللغة المكسرة التي استسهلناها فورطناهم بها وتورطنا؟؟
وفي قناعتي لو اعتمدت سياسة التعريب ببطء، لنشرت اللغة العربية في العالمين؛ فهناك ربما ستين جنسية في البلد.
والاتصال هو ميزة بني آدم، فلا يمكن أن يعالج طبيب مريضا؛ إذا لم يفهم عليه ومما يعاني، ولا يمكن استقدام ترجمان في كل مرة ومكان.
وعدد المرات التي طلبت فيها للفصل بين الطبيب والمريض أن لا يستأصل مرارة بدون مبرر، ولا يفتح بطنا دون التأكد، أو ينزل لإزالة فتق في الجنب الغلط؟؟
واليوم يشتغل الواقع بطريقته الخاصة، فإذا لم تعلم الناس العربية الجيدة فلسوف ينطقون العربية المكسرة؟
وهكذا ولدت لغة في المملكة هي عربية وعجمية بنفس الوقت، وهي من أعجب الكلام؛ فالعامل البنغالي مثلا يقول: أنا في كلام أنت في معلوم؟؟. يقصد أنه يتحدث وأن الآخر فهم عليه؟
وعندما يراجع الإنسان تاريخ قوة اللغات وانتشارها من ضعفها وانقراضها فإن هذا يرجع إلى قوة الحضارة.
واليوم تظهر قناة الديسكفري لغات لم يعد يتكلم بها أكثر من 150 شخصا كما في لغة المايا في غواتيمالا. وتم إحياء اللغة العبرية بعد أن كانت ميتة هامدة؟ في الوقت الذي تقتل العربية وهي حية؟؟
وتنقرض عشرات اللغات في السنة؛ فلا يبق إلا الأفراد الذين يتكلمون بها. وهناك حاليا ستة آلاف لغة على وجه الأرض، في ستة مليارات من البشر، ولكن بعد نصف قرن قد لا يتبق إلا المئات منها. وهناك مشروع حجر رشيد لحفظ اللغات في الانترنت..
وقصة اللغة العربية تحكي قصة التفوق الحضاري أو الهزيمة.
وابن خلدون في المقدمة عقد فصلا عجيبا بعنوان فصل في أن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده.
ويعلل ذلك ابن خلدون أن النفس تعتقد الكمال فيمن غلبها ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه.
وانظر ذلك في الأبناء مع آبائهم كيف تجدهم متشبهين بهم دائماً، وما ذلك إلا لاعتقادهم الكمال فيهم..
ثم يروي ابن خلدون كيفية سريان هذه القاعدة على تقليد الناس لأهل الحاميات العسكرية فيقول: وانظر إلى كل قطر من الأقطار كيف يغلب على أهله زي الحامية وجند السلطان لأنهم الغالبون لهم.
ثم يستشهد بواقعة من هذا النوع لاحظها في أهل الأندلس في زمانه فيقول:كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوا ئدهم وأحوالهم حتى في رسم التماثيل والجدران والمصانع والبيوت حتى لقد يستشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء والأمر لله
وكلام ابن خلدون ينطبق على موضوع اللغة.
وجامعة دمشق حاولت تعريب الطب، ولكنها دخلت معركة خاسرة، وزادها بوارا تسلم زمام هذه المحاولة بيد القوميين البعثيين الشوفينيين الفاشلين الذين تمحق البركة مع حضورهم، كما في حضور الشياطين المجالس، فما وضعوا يدهم في شيء إلا نكب وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش..
واليوم تزحف اللغة الإنجليزية عبر الإنترنت في كل العالم، ومن لم يتصل باللغة الإنجليزية والإنترنت أصبح خارج التاريخ والجغرافيا.
وتلك الأيام نداولها بين الناس. ولنبك لغة العروبة التي تحتضر.. فكل لغة هي لسان قومها، فإذا خرسوا خرست، وإذا نطقوا عبرت وأبدعت.. والعرب اليوم صم بكم عمي فهم لايفقهون...
كتبها د.خالص جلبي في 10:55 صباحاً ::
سيدي الفاضل..كلام من ذهب ...ان اقامتي الحالية في فرنسا جعلتني أصفع بمعنى لغة وهوية ...تخيل أنه عند تقدمي لدراسة الدكتوراة في أحد جامعات السوربون حيث أن تخصصي تقنيات معلومات وكنت واثقة كل الثقة انه سيدرس بالانجليزية لأنه أمريكي المنشأ ..قابلني المشرف وأخبرني أن فرنسيتي ضعيفة ولابد أن أتحدث الفرنسية بطلاقة حتى أقبل وعندما سألته لماذا لا تدرسونه بالانجليزية ,كما كل العالم ,رد علي وقال : ماالذي يجعلني أخسر المتقدمين الشباب الفرنسيين واحملهم شرط الانجليزي و كسبهم جميعا أفضل من كسب نخبة قليلة تتحدث الانجليزي ...صدمت ..وجامعاتنا ومدارسنا تتبارى لتدرس العلم بالانجليزية ..ولي قصة عجيبة مع أحد الكتب التي وقعت بيدي لا أعرف كيف ولكنها أثرت في حبي للغتي سأوردها في مدونتي ان شاء الله ...ولك جزيل الشكر
العرب وحدهم صم و بكم يا استاذ جلبي؟
طيب و الاكراد؟؟
مقال في غاية الروعة ولاكن يا عزيزي أرجو إعادة النظر في الجملة الأخيرة..

