البشير مطلوبا للعدالة؟
بقلم خالص جلبي
في مدينة القامشلي حيث نشأت اشتهر عندنا رجل باسم (حسن مصروع)، ولكن الرجل بعجيب تصرفاته، أخذ لقب المصروع، أي من به صرعة أو مس من جنون!
كان الرجل عصابيا، صعب المزاج، شرسا في التعامل، تقدح عيناه بالذكاء والعدوانية، إن تكلم شتم ومن أقذعه، وإن تحدث منع غيره من المشاركة، وخلف باب بيته أدوات الطعان والنزال جاهزة، وكثيرا ما رأيناه يهرع، وهو يجر (الاسيستنس ـ المساعد) في العمليات، ابنه محمد الجبار، ليخوض المعارك معه، وكانت الأدوات تختلف من عصي و(كفكير) أي وعاء غرف الماء باللغة المحلية، وأشياء أخرى متفرقة حسب لون وحجم المعركة..
رحمه الله رحمة واسعة..
مع هذا فالرجل كان أحيانا يتصرف بحكمة وجرأة يحسد عليها..
وفي أحد الأيام ظلمه القضاء؛ فجاء إلى القاضي يشكو بطريقته!!
أشعل عود ثقاب؛ ثم بدأ يبحث بين قدمي القاضي؟
تأمله القاضي بغرابة ثم قال له: عمي حسن عم تبحث؟
أجاب: عن العدالة سيدي القاضي؟؟
كان المعنى الرمزي هائلا، بعود ثقاب، بين قدمي القاضي، في وضح النهار، ليبحث عن شيء لايرى على شكل نانو؟؟ اسمه العدالة ؟؟
وقصة البشير الرئيس السوداني تذكر بقصة العم حسن مصروع تماما..
إنها قصة مشحونة بالعبر والعبرات عن العدالة في العالم هذه الأيام..
بوش وشارون ومجرمون كثر، شرقيون وغربيون، يهود ومسلمون ومسيحيون وملحدون، لا تنالهم يد العدالة، ولو قالت ما استجيب لهم، ولا ينبئك مثل خبير..
أما البشير فيطلب، وأما نظرائه من النذير المبين، وقاذف اللهب، والبرق الصاعق، والرعد الهادر، فلا يطلب أحد..
فهذه واحدة..
وهو ليس دفاعا عن البشير وإدانة لآخرين، بل عن فكرة العدالة..
فأن يطلب البشير لجرائم فعلها؟ فلينظر الإنسان عن اليمين والشمائل عن جرائم لا يحصيها عدد، ويضمها كتاب، حول البشير، يمارسها طغاة محترفون، أتقنوا فن الجريمة، واحترفوا سبيل الغي، واتخذوه سبيلا.. فلا تذكرهم محكمة وكتاب، ولا تقترب منهم يد العدالة وهم يضحكون، وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين، وإذا رأوا محاكم العدالة إذا بهم يضحكون..
لنتأمل نموذج (رادوفان كراديتش) والآخر الشقي (راتوك ملادييج) صاحب مذبحة سبرنيسكا، وهو في بيت آمن قريب جدا من مركز محكمة العدالة الدولية في أوربا؟؟
فما بال من يقتل بالجملة والمفرق يكافيء ويعفى عنه، مقابل جزية يدفعها، أو رشوة يطعمها..
والله يقول ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيء ولو كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين..
وبالأمس قتل العشرات في سجن مدني في بلد عربي، بعد تمرد ونيل من قدسية الرب ووطء القرآن بالأقدام،ومن قبل ألفا ويزيدون في ليلة واحدة في نفس البلد، فلماذا الرضا عن البعض وإصدار أوامر القبض على آخرين..
إنها مهزلة العدالة الأرضية؟؟
أن ينتحر هتلر، ويشنق غورنج، ويذبح برزان التكريتي، وتعلق النياشين على صدر ستالين، ويحمل الأسد على عربة حربية، ويموت بول بوت ميتة عادية، بعد أن حمل إلى عالم أنوبيس قبله مليونين من الأنام؟ وتنفخ الأبواق لترومان، ويحمل عبد الناصر الفاشل أبو الكوارث، مثل محفة بيبي الثاني، يبكي في جنازته مليونا من العبيد القردة، وينتحر بعض اللبنانيين، فيرافقوه في زورق شارون الكئيب إلى ظلمات الآخرة، ويذهب ديغول وتشرشل إلى قبره في جنازة متواضعة، وهم من بنى أوربا الجديدة بنصر مختوم. ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون؟
يجب استيعاب ثلاث أمور:
ـ أن الأرض خلقت للظلم وبنيت على الفساد على القانون الثاني للترموديناميك الحرارية، وأن الآخرة هي دار القرار، فلا ظلم اليوم.
ـ وان أحد ينابيع ثلاث، لفكرة اليوم الآخر، هي ظلم الأرض وجورها، فلا بد من استكمال الصورة، وبناء كامل العدالة هناك بناءً إنشاءً. وهو الذي ملأه المصريون القدماء في معابدهم بدون ملل..
ـ وأن كثيرا من صور الطغاة والمجرمين تغادر هذا العالم في عزة وشقاق، ماوتسي دونج وخوجة وشاوسسكو وتيتو وشارون وبيجن، ومعهم طواغيت كثر من العالم العربي؛ فهذه ليست الصورة الأخيرة ..
رحمة الله عليك عمي حسن مصروع، فقد كنت طاغية ترانزستور، أذاك قليل، وضررك معروف، وعدوانك محسوب.. اسأل الله له المغفرة..
كتبها د.خالص جلبي في 08:43 صباحاً ::
سيدى, أنا لا أتفق معك فى وصف عبد الناصر بالفاشل أبو الكوارث. لقد كنت اتحامل عليه فى الماضى مثلك بسبب فشله فى الوحدة وحرب 67 ونظامه الإشتراكى. ولكن بعد مقارنته بما نراه الآن من حكام, أجد أننا قد ظلمناه بتقييمه بمعزل عن ظروف عصره. وإذا كان لابد من من اللوم , فلا بد أن يوجه لأنفسنا. فنحن لم نتمسك بالوحدة كأنها طوق نجاة ونحاول من خلالها إصلاح ما فسد منها. ولم نحاول إستبدال الفكر الإشتراكى المبنى على العسف وإضاعة الحريات إلى فكر إشتراكى أكثر إنسانية وحرية. ولم نحاول محاسبة المسئولين عن الهزيمة مع الحفاظ على إستمرار المد القومى الذى بدأه عبد الناصر. وكأننا نعبد الأفراد وعندما نفقد الثقة فيهم, تنهار المنظومة كلها. الخلاصة أن عبد الناصر كان مرحلة وتجربة ضرورية فى محاربة الإستعمار وإرساء قواعد التصنيع وإحياء القومية العربية .والعدالة الإجتماعية ولكن بأخطاء قاتلة تعادل حجم أحلامه. وإذا كان الخيار هو أن نبدأ ونتعثر أم لا نفعل شئا. فسوف أختار الأولى وأعمل على إصلاح السلبيات وأستفيد من الأخطاء. أما أن يكون حالنا ما نحن عليه الآن فهو الأمر الذى يستحق الوصف بأنه الفشل وأبو الكوارث.
