التعانق المشئوم بين الكهنوت والطاغوت
فقيه السلطة في العادة يختار مصيره فيلحق بالطاغية فيكون في خندق واحد معه في وجه الثورة.
والفقيه ليس وحيدا في هذه المؤسسة المشئومة بل هو رأس جبل جليد كامل من رجال الدين ووعاظ السلاطين ومثقفو الحزب وأبواق النظام في توليفة جهنمية…
وفي المقابل المفكر يقول كلمة الحق في وجه القوة، فيؤدي دور المثقف صدقا وعدلا.
ولقد أخذ الله ميثاقهم على من يحمل العلم أن يبيّنه للناس ولا يكتم منه شيئا، ولكن أمراض أهل الكتاب مسلمين ومسيحيين وبوذيين وزرادشتيين ويهود واحدة، أن يلبسوا الحق بالباطل ويكتموا الحق وهم يعلمون..
المفتي والفقيه نماذج ممتازة لعلل أهل الكتاب من المسلمين، كل يأخذ مكانته في استراحة فقهاء العصر المملوكي في خانة (وعاظ السلاطين) على حد تعبير الوردي عالم الاجتماع العراقي.
أولى له فأولى ثم أولى له فأولى..
والفقيه ليس جديدا في جدلية الكهنوت والطاغوت منذ أيام الفرعون بيبي الثاني.
كنت أتعجب في المقارنة بين رياض الترك الشيوعي الذي قضى 17 سنة في مدفن تحت أرضي محبوسا في زنزانة الانفرادية أيام الوحش الكبير، وواعظ السلطان يخرج على الناس في المذياع يقول لهم أن ابن الطاغية الذي نفق في حادث سيارة متهورة من أهل الجنان.
كنت أردد في نفسي أين المؤمن وأين الملحد؟
وما هو الإلحاد وما هو الإيمان فعلا؟
هل هي كلمات باللسان وحركات روتينية بدون معنى، أم ممارسة نضالية في وجه الجبت والطاغوت؟
هل الإيمان طقوس أم صدع بالحق وصبر على الأذى كما وصى لقمان ابنه فقال واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور.
كان السحرة مثقفو ووعاظ ذلك العصر يقولون للحاكم أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين؟ فيرد فرعون: نعم وإنكم إذا لمن المقربين.
المال والنفوذ هي سلالم الصعود إلى خدمة الطاغية فأين يقف فقيه السلطة اليوم؟ هل هما عنصرا المال والنفوذ؟ أم هناك عناصر أخرى سكت عنها النص؟
بالتحام الكهنوت بالطاغوت يبرز كائن خرافي من رأسين؛ الحاكم والفقيه، أو فرعون والسحرة، أو رئيس الجمهورية والمفتي، السنهدرين وبيلاطس، ساحر القرية وزعيمها..
وهذا ينطبق دوما وبشكل مكرر على كل المؤسسات الدينية من أي دين كانت، فالدين ملح الحياة، والمؤسسة الدينية تأميم وخنق كامل الحياة.
يتعاون الحاكم والفقيه على ركوب رقاب العباد مثل أي بغل مطهم مسرج.
الحاكم بالساطور والمنجل والطبنجة والخنجر..
والكهنوت بالبخور والمبخرة وغبار الكلمات.
الفقيه يعطيه الشرعية.. والطاغوت يكرمه بالمركز والمال والحظوة.
هذا يحكم بقوة السلاح والمخابرات، والثاني يغتال العقول بالأوهام وإدعاء انه يملك مفاتح أسرار النصوص الربانية؛ فهو ينطق قال الله وقال رسول الله.. وبينه وبين الله والرسول بعد المشرقين فبئس القرين..
جاء في كتاب خاتمي عن شرك الاستبداد أن أبا ليث الصفار جمع الزعران والحرافيش والبلطجية والعيارين وزحف بهم على بغداد؛ فجاءه من يحذره من (عهد) الخليفة؛ فنادى الشقي صاحبه أن يحضر للناس (عهد) الخليفة، فغاب ثم رجع بسيف ملفوف بخرقة؛ فاستل أبو ليث الصفار السيف ثم زعق في العيارين؛ هذا عهد الخليفة، وهو ما أجلسه على العرش في بغداد، ونحن ببركة هذا العهد إلى بغداد سائرون، وعلى العرش متربعون، وبرأس الخليفة طائحون..
الحاكم يحكم الناس بالساطور..
والفقيه يمهد لاعتلاء ظهر الشعب بالسطر..
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ